رسالة من منظمة حماية حقوق الإنسان

19.05.2021

رسالة مفتوحة إلى مؤسسات حقوق الإنسان وشعوب العالم الحرة بشأن العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين

 

عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين تسببتا في دمار كبير وفوضى عارمة عانت منها البشرية جمعاء تأسست منظمة الأمم المتحدة (UN) بشكل أساسي لحماية السلم والأمن الدوليين. إن تطوير وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية من العناصر الأساسية لحفظ السلام الدولي، وهما غايتان عظميان للأمم المتحدة. وفي هذا السياق أعلنت شعوب الأمم المتحدة إيمانها الراسخ في حماية الأجيال الناشئة من ويلات الحرب، وتبنت حقوق الإنسان الأساسية التي تصون كرامة وقيمة شخصية الإنسان، وتكفل المساواة بين الناس في الدول الكبيرة والصغيرة في التمتع بحقوقهم. وافقت الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة على العمل وفقًا لمبادئ "المساواة في السيادة بين الدول"، و"احترام الوحدة الترابية أو الاستقلال السياسي للدول"، و"الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية بما يتعارض مباشرة مع الميثاق".

بيد أن حق النقض الفيتو الذي تملكه الدول الخمس دائمة العضوية حصراً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (UNSC) الذي يُعدُّ أهم ركائز النظام الذي أُنشئ لحماية وحفظ السلام الدولي والقيم الإنسانية الأساسية يتعارض مع هدفيّ ضمان السلام والعدالة ومبدأ "المساواة في السيادة بين الدول". إن حقيقة أن تحديد الأعضاء الدائمين لا يتم بالانتخاب، وأن كل عضو منهم يستطيع وحده منع اتخاذ قرارات لحفظ السلام، وعدم وجود دولة تمثل العالم الإسلامي بينهم دليل واضح على أن هذا النظام يتعارض مع مبادئ الحياد والتعددية والديمقراطية. في الواقع أصبح هذا الهيكل الذي أُسِّس لضمان السلام وحقوق الإنسان في العالم أكبر عقبة أمام حفظ السلام وتعزيز احترام حقوق الإنسان.

لقد فشلت منظومة الأمم المتحدة القائمة في منع الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة والمنهجية للقانون الدولي ولحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تعهدت بحمايتها منذ إنشائها. وشكلت مثالاً على فشلها وقصورها عن حماية حق الشعب الفلسطيني في الوجود وحقوقه الأساسية الأخرى. تعزز هذه المنظومة تمادي إسرائيل في ممارساتها غير القانونية، وتزعزع الاحترام والثقة في نظام حقوق الإنسان، وتعرّض السلام العالمي ومستقبل الأمم المتحدة للخطر. تستمد إسرائيل جرأتها من هذا النظام غير العادل، فتقف حجر عثرة أمام إحلال السلام العالمي، وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وإحياء الأمل في منظومة الأمم المتحدة.

تنفذ إسرائيل هجماتها وتصعّد عدوانها على الشعب الفلسطيني ودولة فلسطين في إطار هدف توسيع احتلالها ونظام فصلها العنصري. إذ إنها لا تقتصر على كونها هجمات فردية. يُخلي الاحتلال الإسرائيلي الأحياء الفلسطينية ويصادر أراضيها لأسباب غير قانونية، وينهب ممتلكات الفلسطينيين ومقدراتهم لبناء مستوطنات يهودية غير شرعية، وينتهك حقهم في الحياة الطبيعية الآمنة والمستقرة، ويعرضهم لصنوف التعذيب وضروب المعاملة اللاإنسانية المهينة، ويقيد حركتهم وحريتهم في السفر والتنقل، ويفرض قيوداً صارمة على حريتهم في العبادة، ويقتحم مقدساتهم ويدنسها، ويهاجم المصلين بالغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية. إن الاعتداءات الاستفزازية من قبل الشرطة الإسرائيلية، وردود الفعل المتواضعة للشعب الفلسطيني في نطاق الدفاع عن نفسه يُستخدمان ذريعةً لإطالة أمد الاحتلال وارتكاب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

دأبت إسرائيل كل عام تقريبًا خلال شهر رمضان الشهر المبارك لدى المسلمين على استهداف المسجد الأقصى في مدينة القدس؛ كما استأنفت عدوانها هذا العام واستغلته لتحقيق مآربها في احتلال وضم الأراضي. تحولت محاولة المستوطنين اليهود تهجير الفلسطينيين من حي الشيخ جراح في القدس الشرقية إلى هجوم وحشي غاشم على الفلسطينيين جميعهم، نساء وأطفال ومسنين. ترقى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة إلى جرائم حرب تهز الضمير الانساني وتستدعي استيقاظه وخاصة في العالم الإسلامي.

لما احتلت إسرائيل القدس الشرقية وأعلنتها عاصمة لها، أدان مجلس الأمن الدولي بقراره رقم 478 في 20 آب/أغسطس 1980 "قانون القدس" الإسرائيلي الصادر في 30 يوليو 1980، والذي أعلن القدس عاصمة "كاملة وموحدة" لها، واعتبرته انتهاكًا للقانون الدولي. وفي إشارة إلى أن المجلس لم يعترف بهذا القانون الإسرائيلي، دعا الدول الأعضاء إلى العمل وفق قرار المجلس ونقل بعثاتها الدبلوماسية من القدس إلى تل أبيب. مشروع القرار المقدم رداً على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 ديسمبر 2017 ونوقش في مجلس الأمن الدولي في 18 ديسمبر 2017 حظي بتأييد 14 دولة من الدول الأعضاء الخمسة عشر. لكن أمريكا نقضته. يُعد هذا النقض الفيتو مثالاً آخر على تجاوز دولة واحدة إرادة دول العالم باستغلال حق النقض. قدّم المشروع إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية وحظي بتأييد 128 دولة ومعارضة 9 دول في التصويت الذي أجري في 21 ديسمبر 2017، وبذلك رُفعت الشرعية عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وثبت بطلانه مرة أخرى.

انعقد مجلس الأمن الدولي للمرة الثانية لبحث التوتر المتصاعد الذي بدأ بالإجلاء القسري للعائلات الفلسطينية عن حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية. بحث هذا التوتر المتصاعد والتطورات الأخيرة في القدس الشرقية المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، تور وينسلاند محذراً من "انجراف إسرائيل وفلسطين إلى حرب شاملة". أراد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الإدلاء ببيان مشترك يعرب فيه عن قلقه العميق بشأن التوتر في القدس الشرقية والضربات الجوية على غزة، ويدعو إلى إنهاء فوري للنزاع، لكن الولايات المتحدة وعلى عادتها عرقلت صدور بيان المجلس.

تنتهك سياسة إسرائيل المتمثلة في إعادة توطين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتهجير الفلسطينيين القواعد الأساسية للقانون الإنساني الدولي. استولت إسرائيل بهذه السياسة على 90٪ من الأراضي الفلسطينية منذ عام 1948 وأنشأت مستوطنات يهودية فيها. تحظر اتفاقية جنيف على دولة الاحتلال "ترحيل أو نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها" و"إبعاد المدنيين المحميين قسرًا أو جماعيًا وطردهم من الأراضي المحتلة". ويعتبر انتهاك هذين المادتين جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

قررت المحكمة الجنائية الدولية المختصة بالنظر في جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والجرائم العدوانية مؤخرًا أن لها سلطة التحقيق في الأنشطة التي تقوم بها إسرائيل في فلسطين، وأن سلطتها تشمل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. إن حقيقة أن المحكمة ستحقق في ممارسات إسرائيل في سياق تعريفات الجريمة المذكورة أعلاه سيضمن تحقيق العدالة من خلال إجراء المحاكمات اللازمة.

إن اعتداءات إسرائيل على الشعب الفلسطيني المضطهد هي انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان المترابطة. لن نرى مستقبلاً يسوده السلام ما دامت إسرائيل لا تعامل الفلسطينيين وفقًا لمعايير حقوق الإنسان، وما دامت تكرس الفصل العنصري ولا تحترم حقهم في تقرير المصير. من الضروري أن تدين وتستنكر مؤسسات حقوق الإنسان جميعها والمدافعين عن حقوق الإنسان والحريات العامة الذين يتسمون بالضمير والحصافة في العالم الانتهاكات الجسيمة والمنهجية للحقوق الأساسية للفلسطينيين وجرائم الحرب المرتكبة، وأن تتخذ إجراءات لوضع حد لهذه الاعتداءات. ننتظر من المؤسسات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، التي لها سلطة اتخاذ قرارات ملزمة ورادعة، تحديد الانتهاكات وإعلانها ومتابعة نتائجها.

نذكركم بأن السكوت عن القهر والظلم لا يختلف عن القسوة من حيث طبيعتها، ونعلن أننا متحدون ومتضامنون مع أخوتنا الشعب الفلسطيني المظلوم المضطهد.

 

سليمان أرسلان

رئيس هيئة حقوق الإنسان والمساواة في تركيا

 


Paylaş
İşlem Sonucu